عمر جديد!

ايها العالم الواسع المتغيّر الغريب الذي يتظاهر بالعاديّة كل يوم، في حين أن كل يوم هو فارقٌ كبير بالنسبة للحياة على هذا الكوكب.

فـ بالنسبة لي.. هذا اليوم فقط، أحدث فارقٌ كبير، وزاد لعمري عامًا وكبُرت!

لطالما “كبرت” كانت أكثر كلمات الطفولة نغمًا وحلمًا وأمنيات. والآن أشعر أن كل الخوف يرتبط بها لما أخشاه من أني لم أعِش أو فات مني ما كان يجب أن أعيشه و أفعله.

اليوم لن أفضل أن أطفئ شمعتي لأحتفل بالتمام. فأعياد الميلاد لا أعدّها أكثر من مواساة بالنسبة للكبار لما نقص، لكنها الدّنوّ من صنع القرارات بالنسبة للأطفال لذا فهم يحتفلون بالآمال الوشيكة.

لن تسعدني الشمعات بعد أن أدركت حقيقة أن الحياة على كوكب الأرض ليست سوى فرصة لن تتكرر. وأن مرحلتي العمرية ستقفز مع سابقتها، وأن التغيرات الكونية ستطرأ حياتنا جميعًا حتى نترك المساحة التي كانت لنا لمن بعدنا. ويخلفنا زحامٌ واضطراب آخر.

بالرجوع الى زبدة القول وماذا سأقول لأعوامي السابقة فـ:

إني فخورة أولًا لسببا وجودي هُنا. وأني أحب أمي وسأحبها أكثر من أي عام مضى. وأني آسفة لكل القلق الذي شعَرتْه منذ اللحظة الأولى.

وأني فخورة بي لأني لم يكن لي أن أبذل في حياتي أكثر مما بذلت. ولأنني قاتلت بالقدر الذي اتحمله وتعلمت كيف أقاتل أكثر.

وبأنني لن أُصاب باليأس مرة أخرى. لأن الوقت.. لن يمنحني استراحة.

Advertisements

“وحدي لكن وَنسان”

الساعات التي أقضيها وحدي لها من الأهمية عندي ما لا يعلمه أحد. 
كنت على طاولة ذات أربع كراسي بينما كان أحد هذه الكراسي مشغولٌ بي؛ في الوقت الذي اقتربت غريبة عنّي لأزيح أشيائي قليلًا و أسمح لها بالجلوس دون أن نتبادل كلمة واحدة. 
حقيقة.. كنت أتحاشى النظر لئلّا تستفتحني حديثها، أو حتّى التحيّة. لمحت محاولاتها المترددة في بدء الحديث لكن لم تفعل.
انهيت الشّاي ودفعت بالكوب الذي جاء في وصفه مرّة: “كانوا يرشفون شايهم في أقداح.. هشّة هشاشة الحياة نفسها”. 
ثم حملت حقيبتي وأشيائي المتناثرة وأحسست بامتنانٍ عميق على هذا الوقت الصامت بين غريبتين تمامًا، احسست بامتنان أعمق لها أيضًا.
 ابتسمت وانا استدير عن الطاولة، وأتذكّر نصًا في قداسة الصّمت:
“أريدها لا تعرفني ولا أعرفها، لا من شيءٍ إلا لأنها تعرفني وأعرفها.. تتكلم ساكتةً وأرد عليها بسكوتي. صمتٌ ضائعٌ كالعبث ولكن له في القلبين عمل كلامٍ طويل”
مع التأكيد على أنّه.. عمل كلامٍ طويل؛ فعلًا !

خدَر

أضع السماعات في أذني منذ الساعتين ونصف ولم أسمع شيئًا أبدًا. دخلت للمطعم، اخترت زاوية كعادتي فالزوايا أحن الأركان. اسندت ظهري وتسمّرت عيناي تحدقان في اللاشيء. لا أريد أن أفكر بشيء، لا أريد أن أتقدم، لا أريد أن أتراجع.. فقط أريد أن أعطي هذه اللحظة العالقة حقها. كما لو تخدّرت، لم أشعر بأحدٍ حولي رغم امتلاء المكان، لا أتذكر أنني سمعت شيئًا وبدأت أتصرف على نحو ما لو كنت وحدي في المكان.

لمحت في الجدار الذي أحنيت عليه رأسي أسلاك كهرباء مكشوفة وممتدة. فتذكرت أن مَهمتي تقضي رفع إبلاغ عن هذا الخطأ و وضع لوحة تحذّر الناس من اللمس وخاصة الأطفال. كنت سأفعل هذا في زمنٍ قبل الآن، عندما كان العالم يريد أن يصنع مني شيئًا آخر قسرًا. 

أوه.. تذكرت أنه مضى عامين على مشاركتي في حصص الدفاع المدني ولم أتسلّم شهادتي تعبيرًا عن غضبي.
لا يهم..

فالآن أشعر أني داخل فقاعة. ربما هذا هو الوصف الأصح لحالتي.

بالأمس والدتي وجدّتي حاولتا جاهدتين أن يفعلا شيء، والحقيقة أن ما من شيء يمكنه أن يغيّر أي شيء داخلي. ليتهما اقتنعتا.

كان مزاجي الأيام القليلة الماضية يتبدل سريعًا، قناعاتي مضطربة.. كما لو أنّّ الأشياء بداخلي تتطاير وأجمعها سريعًا دون ترتيب، ثمّ تطير مرة أخرى بعد أن أفنيت جهد التجميع.
قالت لي والدتي تمازحني: ستصبحين عجوزًا إذا لم تتحدثي اليّ الآن، هيّا عهد.. لن أسامحك إن أخفيت بداخلك أيّ كلام. 

هههه اعتقدت حينها أنّ أمي لن تسامحني طويلًا. أنا أجد من الصعوبة جدًا أن أتحدث عني. وكنت أتمنى لو أقول: “عندما أشعر بأنني يجب أن أقول شيئًا، فسأقوله حتى لو أمسكني العالم كله من رقبتي وطلب مني أن أسكت.”
أنا لست بخير.

هكذا أظن و أخشى أن يطول ذلك. ينتصر عليّ التبلّد والرتابة. 

هذه المرة أنا لست على سحابة كما كانوا يقولون عنّي، هذه المرة تحيطني هالة، بلا لون أو شكل ظاهرين. ولكنها تمكنّت من إحاطتي فعليًا لأني سمحت لعجزي؛ عجزي الذي بات خصمي الأسوأ مؤخرًا. 

آه.. مرحبًا بكل ما من شأنه أن يزيد حالتي فلا فرق.
قبل أن أنهي هذا الهراء الذي راودني..

يقول شخصٌ ما:

“الحياة تسيل، تجري، تسابق البشر. وهي كل يوم تغيّرك. تأكل منك، تقضم من حواشيك، توسّع رقعة الخدر في قلبك. 

وكل يوم تضيف إليك، وتضخّمك، وتدق في قلبك مسامير المتعة والألم. ولكنك متغيّر أبدًا.”

“مريم”


.

“- رح تصوريني يا تيتشر؟ استني أعمل لك قلب.

  – ابتسمي لي بس.. وتكوني عملتي لي قلب.”

العام الماضي، كنت أفكّر ماذا لو التقيت إحداهنّ بعد سنوات؟ عنّي سأكون مشتاقة لرؤية ملامحهنّ الجميلة كيف ستكون.

لكن فكّرت كثيرًا كيف ستشعر إحداهن إذا ما رأتني؟ أخاف كثيرًا أن: لا تعرفني.. أو لا تتمنى أنها رأتني :(.
بالأمس.. قلت لهنّ: “احكوا لي.. تفتكروا أول حصة دخلت؟”

فوصفن اللبس ولونه وتسريحة شعري ولون عدساتي اللاصقة حينها. آه من ذاكرة الأطفال، لا تُخطئ.. قويّة وتخيفني أن تحفظ أخطائي أكثر.
كانت الحصّة الأولى لبداية تدريسي، وكنت قد طلبت منهنّ أن يكتبن كيف يردن من معلمتهنّ أن تكون، لذا عقّبت إحداهن بعدها لتقول: 

– وطلبتينا يا تيتشر نكتب عن المعلمة كيف نبغاها تكون.. وأنا كتبت لك: بس تكون لطيفة وتدرسّنا كويس.

– تدرسنا كويس؟ .. طيب هالحصة آخر حصة أعطيكم فيها درس.. ممكن تطلعوا ورقة وتكتبوا لي كيف كانت هالسنتين؟ وكل شي حابين تكتبوه؟.
البعض منهن أعطتني رسالتين، رسالة ود.. و رسالة عتب.
في الصورة: مريم..

تنطق حرف الرّاء بطريقة استثنائية. اسألها كل يوم: مين انتي؟ .. قاصدةً ذلك لأسمع راءها في: “أنا مريم”.

الخميس الأخير

“إذا لم تكثر الأشياء الكثيرة في النفس، كثرت السعادة ولو من قلّة.”
في هذا ما حدث يوم أمس ولم يكُن متوقّع. لأن التعبير البسيط عن الحب يخلدُ فيّ، فكيف إذا كان من يعبر عن هذا الحبّ طفلة!
كُنت ناقمة على مهمّات يومي، غارقة بين أوراق الطلبة وجهاز الحاسوب وطلبات تصوير الطلّاب حين دعتني طالبة الصف السادس “سارة”.

– مشغولة يا سارة، تستني لنهاية اليوم؟

– لكن حاجة مهمة مرة.

حملت نفسي وإيّاها إلى مشهد قلبي. الصف ظلام وهدوء، ثم يأتي دور الأنوار لأرى كلّ من علّمتهن لعامين يقفن في صف أفقي أمامي.

وأنا والله أعتقد أنّي تعلمت من صغيراتي أكثر مما علمتهن.
صَمْتْ..

أحسست بيدين على كتفاي تسحبني من وسط جمودي لأكون قبالتهنّ، -كانت إحدى المعلمات والتي ساعدتهن في الحصول على إذن الحفلة-.

تركتني في الصف معهن وذهبت، اجتمعنا في حضن جماعي كبير جدًا كتجربة فريدة: “بعدوا عن المِس رح تطيح.”😅❤
كُنت أقطع اسمي وأنا ارتجف و أواري شعوري ألّا يظهر. كُنت ازداد إيمانًا بأن كل… كل شيء، ينتهي مهما بلغ من الوقت. كنت حزينة، سعيدة، متدفّقة.. 
في حضرة الصغار يُضاف لكل يوم من أيامي معنى و إن بدوت قليلة صبر أحيانًا. كنت في أيّام أُطيل الحضن إذا ما فتحت لي إحداهن ذراعيها على اتساعيهما، كي أتلوّن ويبرأ هذا القلب.

 

كانت لحظات الأمس من الجنّة لأن اللواتي خلقنها كنّ صغيراتي. لم تكن حفلة ترف ولا مجاملات ولا اصطباغات متكلفة. كانت حفلة حب حقيقية، كان يمكنني مشاهدة قلوبهن بوضوح خلال تعابير وجوههن وكلماتهن التي في أحلى عفويتها. 

كنت أقول يا الله تشاهدنا الآن.. تعلم أني لم أفهم هذه الحياة مرة وكيف تسير الأقدار، لكني ممتنة بهذه الذكرى من عمري والحكايا الكثيرة.

خميس أمس كان اليوم الأخير في الدوام بالنسبة لطالباتي وليس لي..

فتحت الباب متأهبة للخروج أخيرًا وأنا أقول:

“اسمعنني.. هذا جعلني سعيدة جدًا فشكرًا. وكانت عامان لطيفة، اغفرن لي، ثم اذا مررت بذاكرتكن ليكن ذلك خيرًا ودعاء.”

الرّابعة فجرًا


الساعة الرابعة فجر اليوم، استيقظت فجأة.. وعندما تيقّنت أنها تمام الرابعة وأنه لازال أمامي القليل لأنامه قبل أن أبدأ يومي الطويل، لم أستطع!. 

دفنت وجهي بالوسادة وأغمضت عيناي بقوة، لم أستطع أيضًا. كانت هذه السّاعة المنبهه الصغيرة جدًا تـ (تكّ) في رأسي. أعترف أن “صوت الوقت” يقلقني دائمًا، لكنّي كنت قد نمت أيام كثيرة دون أن أركز في صوتها. وهذه المرة كان صوتها أقوى، تتزامن مع نبضي، وتزداد و أتوتر بازديادها.

قمت و وضعت الساعة في الغرفة المجاورة وعدت لأنام وبالفعل نمت “نومة قلقة”.
صدف أن تذكرت الآن نصًا كنت قد قرأته، انه يصف مشكلتي مع الوقت تمامًا:
“وبموازاة الرّيح المسرعة، يُسرع الوقت أيضًا. إنّه الآن يجري حثيث الخُطى حتّى أنني أشعر بنوبة ذعر وكأنني تأخرت عن أمرٍ ما، لكن ماهو بالضبط، لا أعرف. كم أبلغ من العمر؟ خمسة وثلاثين. بدأت الأرقام بالإرتفاع كعدّاد الأرقام الدوّار في مضخّة تعبئة البنزين، ستة وثلاثون، سبعة وثلاثون، ثمانية وثلاثون، تسعة وثلاثون…

السّاعة على الجدار، السّاعة في رأسي، السّاعة في قلبي، السّاعة في رحمي، كلّها تدقّ في وقتٍ واحد. وبغتةً يجتاحني إحساس غريب ٌ وكأنّ كل السّاعات قد أُعدت لتقف كلّها في لحظة ما: الآن!.”

مع شتلة التّوت


أحادث شتلة التوت التي لم أبحث لها عن حوض مناسب بعد:
كان يومًا ثقيلًا، وكنت وأنا استقبل المهام التي تتزايد فجأة بوضع يدي على رأسي وأخذ تنهيدة، أقول: انه فقط تمهيدًا ليوم الغد، حيث سيكون أكثر أيام العمل مهامًا. 

كنت أقول أيضًا بالأمس بأنني أريد أن اقضي ما بقي لي من أيّام في التدريس باستمتاع بالغ دون تنغيص من “حضرة المزاج”.

قمت عن مكتبي الذي يتراءى للرائي بأنه: “حفلة أوراق” وأنا أردد: سأنتصر. ويعلم الله وحدة كم غالبت من فكرة وشعور تحاول اختطافي. رغم كل هذا وجدتني أحيي طالباتي في الصف مرتين، وأسألهن عن حالهن مرتين! 

وفي كلتا المرتين لم يستنكرن ذلك بل كان ردهم يصاحبه حماس أكثر، وابتسامات لطيفة أخذت من تأمّلي لحظات قبل ان تنتقل الى شفتاي.
بعد أن انتهيت من العمل، وعدت الى مكتبي، عدت لحالتي الدائمة؛ هي اني انقطع عن محيطي وأدخل إلى رأسي. بينا أنا كذلك، انتبهت متأخرًا لإحداهن تناديني، عندما التفتّ اليها قالت: “انتي عجيبة، كأنّك على سحابة.”

كأنّي على سحابة! ههههه حسنًا وصف جميل وتمنّيت لو كنت فعلًا على متن سحابة.
في العودة، كنت أصف لصاحب سيارة الأجرة الطريق وبذات الوقت أحسب أجره. لا أنكر أني كنت أفكّر أيضًا بفكرة سالت الى حلقي لتكوّن “غصّة” منعت صوتي عن إرشاد السائق هنيهات. 

نزلت إلى البيت ورتّبت بعثرتي ثم انتابتني شهقات بكاء لم أمانعها. 

شعرت أن بداخلي شعلة من نور ملازمة. تذوي وتشتد وترقص وترتجف بتأثير الظرف من رياح وبرد وأصوات. أجدني مندفعة للحياة جدًا عندما تضيئ بصفاء، وأكون كما وصفتني إحدى طالباتي مرة: “بحسّك لما تجلسي معانا ترجعي متلنا.”

وفجأة ينتابها ظرف يضعفها فتضعفني وأظل أرتقب ساعة الهدوء الداخلي لتجري داخلي الحياة مرة أخرى.
و وددت أن لو كان موقفي من كل شيء ومن كل ظرف ينمّ عن صلح وسلام. أن لا يأخذني التفكير جدًا حيال كل شيء انتهى أو أي شيء لم يأتِ بعد.

نمت وأنا أتذكر قبل أن أنام نصًا عن “ثمانيني” :
“إلا أنه بدأ يُدرك شيئًا فشيئًا كيف أنّ الحياة غلبته بالحيلة والدّهاء، لأنّ ما تقبّله على أنّه هبه سوف يعلم لاحقًا أنّه من عاديّات الدّهر. وأنّ ما تلقّاه بصفته من منغصّات الحياة سوف يراه نعمة.”